محمد الغزالي

342

فقه السيرة ( الغزالي )

سمعوا خلفهم في أموالهم وأهليهم حسا ، فظنّوا أنّ القوم خالفوهم إليهم ، فرجعوا على أعقابهم ، وأقاموا في أهليهم وأموالهم ، وخلّوا بين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وبين خيبر ! ! . وهكذا نجحت الخطة في عزل يهود خيبر عن حلفائهم المشركين . فلمّا أشرف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على القرية المحصّنة ، وتهيأ لمنازلة أهلها ، قال لأصحابه : « قفوا » ، ثمّ تضرّع إلى اللّه بهذا الدعاء : « اللهمّ ربّ السماوات وما أظللن ، وربّ الأرضين وما أقللن ، وربّ الشّياطين وما أضللن ، وربّ الرّياح وما أذرين . فإنّا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها ، ونعوذ بك من شرّها وشرّ أهلها وشرّ ما فيها » « 1 » . ثم قال : « أقدموا باسم اللّه » « 2 » . ويظهر أنّ اليهود ظنّوا - أول وهلة - أنّ زحف المسلمين صوب غطفان ، فلم يعيروا الأمر التفاتا ، بل أصبحوا غادين إلى حقولهم بمساحيهم ومكاتلهم ، حتى فوجئوا بالمسلمين يسيرون نحوهم ، فارتدوا إلى حصونهم فزعين ، وهم يقولون : محمد والخميس ! . إنّ اليهود - على ما ألف المسلمون من حروبهم - لا يعتمدون على تسيير الجيوش في الفضاء الرحب ، تصيب ويصاب منها . . إنّهم يكرهون اللقاء في تلك الميادين المكشوفة ، وديدنهم الذي لا ينفكّون عنه هو الكفاح من وراء الجدران .

--> ( 1 ) حديث حسن ؛ أخرجه ابن هشام : 2 / 236 ، عن ابن إسحاق ، عن أبي معتب بن عمرو ، وفيه رجل لم يسمّ ؛ وسماه البيهقي في روايته : « صالح بن كيسان » ، كما في ( البداية ) : 4 / 183 ، لكنّ الراوي عنه إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع ضعيف ، ولذلك صرّح البيهقي في السنن : 5 / 252 ، بتضعيف هذا الطريق ، لكن يشهد له ما أخرجه هو والحاكم : 1 / 446 و 2 / 101 ؛ وابن السني رقم ( 518 ) ، من حديث صهيب رضي اللّه تعالى عنه ، قال : إنّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم لم ير قرية يريد دخولها إلا قال حين يراها . . . فذكره . وقال الحاكم : « صحيح الإسناد » ووافقه الذهبي ، وفيه نظر ، لكن له شاهدا اخر من حديث أبي لبابة بن عبد المنذر رواه الطبراني في الأوسط ، وإسناده حسن كما قال الهيثمي في ( المجمع ) : 10 / 134 . ( 2 ) ضعيف ؛ وهو تمام حديث أبي معتب المخرّج انفا ، وقد عرفت علته ؛ ولم أجد لهذا المصدر منه شاهدا ؛ فبقي على ضعفه .